ابن حزم
46
رسائل ابن حزم الأندلسي
بطالب البرهان إليه أقل حاجة ، وترك حذف شيء من ذلك البتة » « 1 » ، وقد رأينا أن هذه الغاية التي وجه لها ابن حزم جهده قد أكسبت كتابه سمات من الأصالة ، ففي قيامه بشرح المستغلق وحذف ما هو غير ضروري ، وإثارة أمر غامض ، وجمع أشياء متفرقة في نطاق واحد ، مع الاستيعاب للأوليات الضرورية ، برزت شخصية رجل مستقل في فكره ، واضح في أهدافه ؛ ومهما يشتمّ من تواضع في كلمته التي حدّد بها طبيعة كتابه فإنه كان يدرك إدراكا تاما بأنه يحاول أمرا لم يحاوله أحد قبله : « ولم نجد أحدا قبلنا انتدب لهذا » « 2 » فهو يدرك خطورة ما هو مقدم عليه ، ولكنه يجد في نفسه الاستعداد لذلك ، أعني « لكشف غمة العداء للمنطق واكتساب الأجر في هداية الناس إلى فوائده » . ومع ذلك فربما كان ابن حزم مسبوقا إلى هذه الخطوة أو إلى ما هو شبيه بها ، فقد بيّن الدكتور عمار الطالبي أن الفارابي كان أول من يسّر المنطق وقرّبه للأفهام واستخدم فيه عبارات الفقهاء والنحاة واصطلاحات المتكلمين ، وقارن فيه بين منهج الأصوليين ومنهج المشّائين ، وضرب الأمثلة من القرآن ومن عبارات الفقهاء في القياس وغيره من الاستقراء والتمثيل ، وألف في ذلك كتابا سماه « كتاب المختصر الصغير في المنطق على طريقة المتكلمين » « 3 » . يبدو لي أن ثمة فرقا أصيلا بين الفارابي وابن حزم في هذا الموقف ، فالفارابي يأخذ منطق أرسطاطاليس كما هو ويقارنه بمنطق آخر ، اتخذت أمثلته من علم الكلام ، بينما يجرد ابن حزم من منطق أرسطاطاليس « معيارا » يحسنه الناس البسطاء ، ويخدم « تربية فكرية » تمتدّ إلى شؤون الدين والحياة بعامة ؛ وأيّا كان الأمر فهل اطلع ابن حزم على محاولة الفارابي ؟ يثير الدكتور الطالبي مسألة اللقاء بين ابن حزم والفارابي في مسألة قياس الغائب على الشاهد فيقول : والغريب أن آراء ابن حزم في مسألة قياس الغائب على الشاهد أو الاستقراء تماثل آراء الفارابي ، إذ أورد نظرية الأصوليين واصطلاحهم في إجراء العلة والمعلول وانتهى إلى نفس الرأي الذي انتهى إليه الفارابي في القول بأن الاستدلال بالشاهد على الغائب إنما يصح في الإبطال لا في الإثبات « 4 » . ولعلّ هذا
--> ( 1 ) التقريب : 5 / ظ . ( 2 ) التقريب : 4 / و . ( 3 ) نصوص فلسفية ( إشراف وتصدير الدكتور عثمان أمين ، 1976 ) : 87 . ( 4 ) المصدر السابق : 90 ؛ وانظر التقريب : 76 / و .